
اعتمد الإعلام المؤسسي تقليديًا على تزويد الجمهور بالمعلومات الأساسية عن الحدث، والإجابة عن خمسة أسئلة: ماذا حدث؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟ ومن ارتبط به؟ وبهذه الإجابات كان الخبر يؤدي وظيفته الأساسية في نقل الحدث بدقة وسرعة. وكان هذا الأسلوب ملائمًا لبيئة إعلامية اتسمت ببطء تدفق المعلومات وقلة مصادرها مقارنةً باليوم. وكان الجمهور يعتمد آنذاك على القنوات الرسمية ووسائل الإعلام لمعرفة ما حدث.
أما اليوم، فقد غيّر الإعلام الرقمي هذه البيئة بالكامل. فالخبر يصل إلى الجمهور لحظة وقوعه، ومن مصادر متعددة، وقد يقرأ الجمهور روايات مختلفة للحدث قبل أن تنشر المؤسسة بيانها. كما لم يعد متلقيًا يكتفي بالاستقبال؛ بل يعلق ويقارن ويسأل ويعيد النشر، وقد ينتج رواية موازية للحدث.
لذلك لم تعد الأسئلة التقليدية كافية. فإلى جانب أسئلة: ماذا وأين ومتى ولماذا ومن، ظهرت أسئلة أكثر ارتباطًا بالمعنى، لماذا يهم هذا الخبر؟ ما أثره الفعلي في حياة الناس؟ من المستفيد منه أو المتأثر به؟ ما السياق الذي يفسر حدوثه؟ ماذا سيتغير بعده؟ وكيف يمكن التحقق من نتائجه؟
هنا يبدأ الانتقال من الخبر إلى القصة. فالخبر يقول إن مؤسسة أطلقت مبادرة، أو أنجزت مشروعًا، أو أعلنت قرارًا. أما القصة فتسأل: ما المشكلة التي جاءت المبادرة لمعالجتها؟ من عاش هذه المشكلة؟ كيف أسهم المشروع في تغيير تجربته؟ وما الدليل على هذا التغيير؟
ولا يكتمل الإعلان عن إطلاق منصة رقمية بمجرد ذكر اسمها وموعد تدشينها؛ فالقيمة الاتصالية تظهر حين نوضح كيف اختصرت وقت المتعامل، أو سهّلت وصول فئة معينة إلى الخدمة، أو عالجت عقبة كانت تتكرر.
بهذا المعنى، لا تلغي القصة الخبر، ولا تعني أن كل مادة يجب أن تكون طويلة أو عاطفية. القصة هي طبقة تفسيرية تمنح الخبر سياقه وشخصياته وأثره ودلالته. إنها تنقل المؤسسة من وصف ما فعلته إلى إظهار لماذا يهم ما تفعله.
وهنا تتغير وظيفة المتخصص في الإعلام المؤسسي كذلك؛ فلم يعد يكتفي بجمع الإجابات عن الأسئلة الخمسة الرئيسية وترتيبها، بل يبحث عن التفاصيل التي تكشف المعنى، مثل صوت المستفيد، تجربة الموظف، التحدي الذي سبق الإنجاز، والنتيجة التي يمكن ملاحظتها أو قياسها. كما يختبر المتخصص ما تقدمه المؤسسة بأسئلة تمنع المبالغة، مثل ما الدليل؟ من سيتحقق من الأثر؟ وهل تعكس القصة تجربة حقيقية أم مجرد صياغة دعائية؟
وتظهر فاعلية الإعلام المؤسسي في قدرته على وضع الوقائع في سياقها، وتقديمها من خلال تفاصيل وتجارب وأدلة تساعد الجمهور على فهم ما حدث وما الذي يعنيه له. ففي زمن يصل فيه الخبر بسرعة، تصبح القيمة الحقيقية في تفسيره وتقريبه من حياة الناس.