
عندما بدأت العلاقات العامة في الظهور بصورتها الحديثة، كان دورها يرتبط بإيصال أخبار المؤسسات إلى الجمهور، وتحسين حضورها في الصحف، والتعامل مع الأزمات عند وقوعها. ومع تطور وسائل الاتصال، تغيّر هذا الدور تدريجيًا، وأصبح التركيز ينصب على فهم الجمهور وكيفية التأثير على مواقفه وسلوكه.
ضمن هذا التحول يظهر إدوارد برنيز، الذي يُعد واحداً من أبرز المؤثرين في تطور العلاقات العامة الحديثة، إلى جانب رواد آخرين سبقوه أو عاصروه، مثل آيفي لي ودوريس فليشمان، فقد رأى أن الاتصال الفعال يحتاج إلى معرفة ما يفكر فيه الناس، وما الذي يحرك مشاعرهم، وكيف تتشكل مواقفهم داخل المجتمع. وفي سياق هذه الجهود المتراكمة، ارتبط اسم برنيز بمفهوم هندسة الموافقة، مستفيدًا في طرحه من معارف علم النفس والعلوم الاجتماعية لفهم الرأي العام والتأثير على اتجاهاته وسلوكياته.
كان برنيز ينظر إلى الجمهور باعتباره مجموعة واسعة ومتنوعة تتحرك ضمن مؤثرات اجتماعية وثقافية ونفسية. لذلك اهتم بتحديد الشخصيات المؤثرة، وفهم الرموز التي تجذب الناس، واختيار التوقيت والوسيلة واللغة المناسبة.
بهذا المعنى، انتقلت العلاقات العامة من وظيفة إخبارية إلى عملية تُبنى فيها الرسائل بعناية، وتُربط المؤسسة بقيم أو رموز أو قصص تترك أثرًا في الوعي العام. وقد ساعد هذا التفكير المؤسسات على تقديم نفسها بصورة أكثر تنظيمًا، وبناء الثقة، وإدارة صورتها أمام الجمهور.
لكن مفهوم هندسة الموافقة يفتح في الوقت نفسه بابًا مهمًا للنقاش الأخلاقي. فالإقناع قد يساعد الجمهور على فهم قضية أو اتخاذ قرار واعٍ، وقد يتحول أيضًا إلى تلاعب عندما تُخفى الحقائق، أو تُستغل المخاوف، أو تُصنع رغبات لا تقوم على حاجة حقيقية.
هذه القضايا أصبحت أكثر إلحاحًا في العصر الرقمي. فالمؤسسات والمنصات تمتلك اليوم كميات ضخمة من البيانات حول اهتمامات الجمهور وسلوكه. وتساعد الخوارزميات على تحديد ما يظهر لكل شخص، وتوقيت ظهوره، والطريقة التي يُقدَّم بها. كما تستطيع الحملات الرقمية اختبار الرسائل بسرعة، وقياس التفاعل معها، وتعديلها وفق النتائج.
هنا تتقاطع أفكار برنيز مع عالم جديد من الاتصال. فقد كانت هندسة الموافقة في الماضي تعتمد على الصحف، والإذاعة، والشخصيات العامة، والفعاليات الجماهيرية. أما اليوم فتعمل عبر المحتوى المخصص، والمؤثرين، والإعلانات الموجهة، والاتجاهات الرقمية، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تساهم في إنتاج الرسائل وتوزيعها.
ومع اتساع قدرة المؤسسات على التأثير، تزداد مسؤوليتها في احترام وعي الجمهور وحقه في المعرفة. إن العلاقات العامة الحديثة تحتاج إلى الإقناع، لكنها تحتاج أيضًا إلى الشفافية، والإفصاح عن المصالح، والتمييز الواضح بين الخبر والإعلان والرأي. فالثقة لا تُبنى بكثرة الرسائل، وإنما بصدق المعلومات واتساق الممارسة مع الوعود.
لقد أسهم برنيز في تطوير العلاقات العامة من خلال التركيز على كيفية استقبال الخبر وتأثيره على المجتمع، وكان جزءًا من مسار تاريخي أوسع شارك في صنعه رواد وممارسات وتحولات متعددة. أما تحدي الحاضر، فيتمثل في استخدام هذه المعرفة لبناء حوار حقيقي مع الجمهور، بدل اختزاله في بيانات وسلوكيات قابلة للاستهداف.
فكلما تطورت أدوات التأثير، أصبح الاهتمام الأكبر ينتقل من كيفية استخدام هذه الأدوات لتوجيه الناس إلى مساعدتهم على فهم القضايا واتخاذ قرارات أكثر وعيًا، وهنا تتحدد قيمة العلاقات العامة، وهنا أيضًا يتحدد الفرق بين الإقناع المسؤول وهندسة الموافقة التي تتجاوز حدودها.