
يصعب الحديث اليوم عن الاتصال المؤسسي وإدارة السمعة دون التوقف عند إسهامات البروفيسور تيموثي كومز، أحد أبرز الباحثين الذين أسهموا في نقل الاتصال من وظيفة تركز على إيصال الرسائل، إلى تخصص يشارك في حماية سمعة المؤسسات ودعم قراراتها في أكثر المواقف تعقيدًا.
لم تأتِ مكانة كومز من كثرة مؤلفاته فحسب، بل من تأثيرها المباشر في الممارسة المهنية. فقد أصبحت أبحاثه مرجعًا للجامعات، والشركات العالمية، والجهات الحكومية، والمنظمات الدولية عند التعامل مع الأزمات وإدارة السمعة.
أشهر إسهاماته العلمية هي “نظرية الاتصال الظرفي للأزمات” (Situational Crisis Communication Theory – SCCT)، التي قدمها عام 2007 بعد سنوات من البحث والتطوير. وتقوم النظرية على فكرة بسيطة لكنها غيّرت كثيرًا من الممارسات التقليدية، وهي أن الاستجابة للأزمة لا ينبغي أن تكون واحدة في جميع الحالات، بل يجب أن تتناسب مع طبيعة الأزمة، ومدى مسؤولية المؤسسة عنها، وتوقعات أصحاب المصلحة.
فالأزمة الناتجة عن كارثة طبيعية لا تُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها أزمة سببها خطأ إداري أو مخالفة أخلاقية. كما أن الرسائل التي تناسب مؤسسة تتمتع بتاريخ طويل من الثقة، قد لا تصلح لمؤسسة تعاني أصلًا من ضعف في سمعتها.
قد يبدو هذا الطرح بديهيًا اليوم، لكنه لم يكن كذلك قبل ظهور أبحاث كومز، التي أسهمت في بناء إطار علمي يساعد المؤسسات على اختيار الاستجابة الأكثر ملاءمة لكل موقف، بدلًا من الاعتماد على الاجتهادات أو الحلول الموحدة.
وتكشف الأدبيات العلمية حجم تأثيره؛ إذ تُعد أبحاثه من أكثر الدراسات استشهادًا في مجال الاتصال وإدارة الأزمات، وأصبحت نظرية SCCT من أكثر النماذج استخدامًا في البحوث الأكاديمية، كما تُدرّس في عشرات الجامعات حول العالم، وتُستخدم في تدريب ممارسي الاتصال في القطاعين العام والخاص.
لكن قيمة إسهامات كومز لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمتد إلى مفهوم أوسع، وهو السمعة المؤسسية. فقد أكد في معظم أعماله أن السمعة لا تُبنى أثناء الأزمة، وإنما قبلها بسنوات، من خلال الأداء، والشفافية، والالتزام، وجودة العلاقة مع أصحاب المصلحة. أما الأزمة، فهي تكشف قوة السمعة أو هشاشتها، ولا تنشئها من الصفر.
ومن الأفكار التي كررها في كتاباته أن المؤسسات التي تستثمر في بناء الثقة قبل الأزمات، تمتلك فرصة أكبر للحفاظ على سمعتها عند وقوعها. وهذا ما يفسر اختلاف ردود فعل الجمهور تجاه مؤسسات تواجه أزمات متشابهة، بينما تكون نتائجها مختلفة تمامًا.
وقد ترك كومز إرثًا علميًا كبيرًا من خلال مؤلفاته وأبحاثه، ومن أبرزها كتابا: “Ongoing Crisis Communication” و “Code Red in the Boardroom”
وأصبح اسمه حاضرًا في معظم المراجع الحديثة التي تتناول الاتصال المؤسسي، والسمعة، وإدارة الأزمات.
وربما تكمن أهمية تجربة تيموثي كومز في أنها تؤكد أن الاتصال المؤسسي ليس نشاطًا إعلاميًا يُمارس عند الحاجة، بل علم يقوم على البحث، وتحليل سلوك أصحاب المصلحة، وفهم كيفية تشكل الثقة والسمعة. ولهذا لم يعد نجاح المؤسسة يقاس بقدرتها على إصدار البيانات، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات واتصالات تعزز ثقة جمهورها قبل الأزمات وأثناءها وبعد انتهائها.
إن تجربة كومز تقدم درسًا مهمًا لكل قائد وممارس في الاتصال المؤسسي: السمعة ليست نتاج حملة إعلامية ناجحة، بل نتيجة قرارات صحيحة، واتصال صادق، وثقة تُبنى باستمرار. وهذه هي الفكرة التي جعلت إسهاماته تتجاوز حدود الجامعات لتصبح جزءًا من الممارسة المهنية في المؤسسات حول العالم.