اخبار

لماذا لم يعد الاتصال المؤسسي وظيفة داعمة بل شريكًا في صناعة القرار؟

كان الاتصال المؤسسي حتى وقت قريب يُنظر إليه باعتباره وظيفة تنفيذية تُعنى بإعداد البيانات الصحفية، وإدارة العلاقة مع وسائل الإعلام، وتنظيم الفعاليات، والتواصل مع الجمهور بعد صدور القرارات. لكن هذا التصور لم يعد يعكس واقع المؤسسات الحديثة، التي أصبحت تعمل في بيئات تتسم بسرعة التغيير، وتعدد أصحاب المصلحة، وارتفاع حساسية السمعة والثقة.

اليوم، لم يعد السؤال: كيف نعلن القرار؟ بل أصبح: هل شارك الاتصال المؤسسي في صناعة القرار منذ مراحله الأولى؟

ويعود هذا التحول إلى تغير جوهري في مفهوم الاتصال نفسه. فبعد أن كان يُنظر إليه بوصفه أداة لنقل الرسائل، أصبح يُنظر إليه بوصفه وظيفة إدارية تسهم في بناء الثقة، وإدارة العلاقات، وتوفير المعلومات التي تساعد القيادات على اتخاذ قرارات أكثر جودة وأكثر قابلية للتنفيذ.

هذا التحول تؤكده دراسة (مستقبل الاتصال المؤسسي) الصادرة عن مؤسسة Edelman، والتي شملت أكثر من 200 من كبار مسؤولي الاتصال في شركات Fortune 500 وForbes Global 1000 فقد أظهرت أن 64% من مسؤولي الاتصال يشاركون في مناقشات القرارات الاستراتيجية قبل اعتمادها، بينما لا تتجاوز نسبة من يشاركون بعد اتخاذ القرار 9%. كما يقضي مسؤولو الاتصال نحو خمس وقتهم في تقديم المشورة للرؤساء التنفيذيين في قضايا ترتبط بالأعمال والاستراتيجية والثقة، وليس بالاتصال فقط.

وتعكس هذه النتائج تحولًا في طبيعة الدور، لا في حجم المسؤوليات فحسب.

فالقرار الإداري لم يعد يُقاس بسلامته القانونية أو جدواه المالية فقط، بل بمدى فهم الموظفين له، واستجابة العملاء، وموقف الجهات المنظمة، وثقة المجتمع، وانعكاسه على السمعة المؤسسية. ولهذا أصبحت القيادات بحاجة إلى من يستطيع قراءة هذه الأبعاد قبل اتخاذ القرار، وليس بعد ظهور ردود الفعل.

ومن هنا أصبح الاتصال المؤسسي يؤدي خمسة أدوار استراتيجية داخل المؤسسة:

• نقل صوت أصحاب المصلحة إلى طاولة الإدارة، وليس نقل قرارات الإدارة إلى أصحاب المصلحة فقط.

• استشراف المخاطر الاتصالية التي قد تعيق نجاح القرار.

• تقييم أثر القرارات على السمعة والثقة والعلاقات طويلة المدى.

• دعم برامج التغيير المؤسسي من خلال بناء الفهم والقبول والمشاركة.

• مساعدة القيادات على صياغة رسائل واضحة ومتسقة تعزز مصداقية المؤسسة.

وقد تغيرت أيضًا معايير تقييم إدارات الاتصال. فبعد أن كان النجاح يُقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم التغطية الإعلامية، أصبحت المؤسسات تقيس أثر الاتصال بمؤشرات أكثر ارتباطًا بالأعمال، مثل مستوى الثقة، ورضا أصحاب المصلحة، ونجاح تنفيذ المبادرات الاستراتيجية، وجودة العلاقة مع الجمهور، ودعم تحقيق الأهداف المؤسسية.

ولهذا أصبحت مشاركة مسؤولي الاتصال في اتخاذ القرارات ضرورة استراتيجية. فكلما شارك الاتصال في مرحلة التفكير، زادت قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات مفهومة، ومقبولة، وقابلة للتنفيذ، وارتفعت فرص نجاحها على المدى الطويل.

إن المؤسسات التي تحقق أثرًا مستدامًا لا تتعامل مع الاتصال المؤسسي باعتباره مرحلة تلي القرار، بل باعتباره أحد المدخلات التي تسهم في صناعة القرار نفسه. وهذه هي النقلة التي تميز المؤسسات التي تكتفي بإدارة الرسائل، عن المؤسسات التي تدير الثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *