اخبار

الاتصال المؤسسي تحت الضغط.. كيف نجحت حكومة دبي في مواجهة الشائعات؟


في عصر تنتشر فيه الأخبار خلال ثوانٍ، لم يعد التحدي الحقيقي هو وصول المعلومة إلى الجمهور، بل وصول المعلومة الصحيحة قبل أن تترسخ الرواية الخاطئة.

فالمنصات الرقمية اليوم قادرة على تحويل خبر غير مؤكد إلى قضية رأي عام خلال دقائق، وهو ما يجعل الاتصال المؤسسي أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع استعادة زمام المبادرة قبل أن تفرض الشائعة نفسها بوصفها حقيقة؟

ما شهدته إمارة دبي مؤخرًا بعد تداول تقارير عن وقوع انفجارات في وسط المدينة يقدم مثالًا عمليًا يستحق التوقف عنده. فقد سارع المكتب الإعلامي لحكومة دبي إلى نفي صحة المعلومات المتداولة، مؤكدًا أنها غير صحيحة، وداعيًا وسائل الإعلام والجمهور إلى الاعتماد على المصادر الرسمية وتحري الدقة قبل نشر الأخبار أو تداولها.

بعيدًا عن تفاصيل الواقعة نفسها، فإن القيمة الحقيقية تكمن في طريقة إدارة الاتصال، والتي تعكس عددًا من المبادئ المهنية التي أصبحت اليوم ضرورة لكل مؤسسة.

أول هذه المبادئ هو أن السرعة عنصر من عناصر المصداقية:

في الماضي، كانت المؤسسات تمتلك وقتًا أطول للتحقق قبل إصدار أي بيان. أما اليوم، فإن التأخر في التواصل يخلق فراغًا معلوماتيًا، وسرعان ما تمتلئ هذه المساحة بالتكهنات والشائعات والتحليلات غير الدقيقة. ولهذا أصبح إصدار رسالة أولية موثوقة، حتى وإن كانت مختصرة، أفضل من الصمت الطويل.

المبدأ الثاني هو وحدة الرسالة:

من أبرز أسباب نجاح الاستجابة أن الرسالة الرسمية جاءت واضحة ومباشرة، ثم أعادت الجهات الإعلامية الرسمية نشرها بالمضمون نفسه. هذا الاتساق يمنع تضارب الروايات، ويمنح الجمهور مرجعًا واضحًا يمكن العودة إليه عند البحث عن الحقيقة.

أما المبدأ الثالث فهو أن الاتصال لا يكتفي بالنفي، بل يوجه السلوك:

فالبيان لم يقتصر على نفي المعلومات، بل دعا الجمهور ووسائل الإعلام إلى استقاء الأخبار من مصادرها الرسمية، وتحري الدقة قبل النشر. وهذا تحول مهم في الاتصال المؤسسي؛ إذ لا يكتفي بتصحيح المعلومة، بل يسهم في بناء ثقافة إعلامية أكثر مسؤولية.

ويبرز أيضًا مبدأ رابع لا يقل أهمية، وهو الربط بين الاتصال والإطار النظامي:

فعندما يعلم الجمهور أن نشر المعلومات المضللة قد يترتب عليه مساءلة قانونية، فإن الرسالة تكتسب بعدًا إضافيًا يتجاوز الجانب الإعلامي إلى ترسيخ المسؤولية المشتركة في حماية المجال العام من الأخبار غير الدقيقة.

لكن يبقى الدرس الأهم أن الثقة لا تُبنى وقت الشائعة.

المؤسسات التي تنجح في احتواء الشائعات ليست بالضرورة الأكثر نشاطًا إعلاميًا، بل هي التي بنت عبر السنوات رصيدًا من المصداقية والشفافية والالتزام. وعندما تقع أزمة أو تنتشر معلومة مضللة، يكون هذا الرصيد هو ما يدفع الجمهور إلى انتظار البيان الرسمي بدلًا من الانسياق وراء الروايات المتداولة.

لقد أصبح الاتصال المؤسسي اليوم جزءًا من منظومة إدارة المخاطر، وليس مجرد وظيفة لإصدار البيانات أو تنسيق المؤتمرات الصحفية. فسرعة الاستجابة، ووضوح الرسالة، وتوحيد المصادر، وبناء الثقة قبل الأزمات، كلها عناصر تحدد قدرة المؤسسة على حماية سمعتها في بيئة إعلامية تتغير كل لحظة.

وتؤكد هذه الحالة أن مواجهة الشائعات لا تبدأ عند انتشارها، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال بناء مؤسسات تحظى بثقة جمهورها، واتصال مؤسسي يجعل الحقيقة تصل بالسرعة نفسها التي تنتشر بها الشائعة، وربما قبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *