اخبار

كيف تبني الدول صورتها

لماذا نعرف دولة بعيدة من مسلسل أو أغنية أو طعام شهير قبل أن نعرف شيئاً عن اقتصادها أو سياستها؟

الجواب باختصار: لأن الدول لا تتنافس بما تملكه من قوة فقط، بل بما تملكه من جاذبية.

هذا ما يسميه عالم السياسة جوزيف ناي القوة الناعمة، وهي القدرة على التأثير في الآخرين بجعلهم يرغبون فيما ترغب فيه، لا بالإكراه ولا بالمال. ولها ثلاثة مصادر رئيسية:

– الثقافة حين تكون جذابة للآخرين

– القيم السياسية حين تُطبَّق فعلاً في الداخل والخارج

– السياسة الخارجية حين يراها الآخرون بناءة وذات مصداقية 

لكن الجاذبية وحدها لا تكفي. هنا تأتي الدبلوماسية العامة، وهي الجهد المنظم الذي تمارسه الدول لمخاطبة الشعوب مباشرة، لا الحكومات فقط، عبر التعليم والمنح الدراسية والتبادل الثقافي والإعلام. فالقوة الناعمة رصيد تراكمي، والدبلوماسية العامة هي إحدى الأدوات التي تساعد على تحويله إلى علاقات وتأثير.

ولعل من الأمثلة المعاصرة الموجة الكورية (الهاليو). فقد أصبحت كوريا الجنوبية معروفة عالمياً ليس بصناعاتها فقط، بل أيضاً بمسلسلاتها وموسيقاها وأزيائها ومطبخها. ولم يكن ذلك صدفة؛ فخلفه إنتاج ثقافي عالي الجودة، ودعم مؤسسي واضح، وسياسات شجعت التصدير الثقافي، ومنصات رقمية ساعدت المحتوى على عبور الحدود. وصارت الصورة الثقافية بوابة للسياحة وتعلّم اللغة واقتناء المنتجات، أي أن الجاذبية تحولت إلى أثر اقتصادي ملموس.

فما الذي نتعلمه من هذه التجارب؟ نتعلم أن هناك ثلاثة شروط لصورة تدوم وتؤثر:

• المصداقية: أن تطابق الصورة المروَّج لها الواقع. فالفجوة بين ما يُقال وما يُعاش تهدم الثقة أسرع مما تبنيها الحملات.

• الاستمرارية: السمعة تُبنى بسنوات من العمل المتسق، لا بحملة موسمية أو حدث عابر. 

• إشراك المواطنين: الطالب والسائح والفنان والتاجر كلهم سفراء، وتجربة الناس معهم أقوى من أي إعلان رسمي.

إن القوة الناعمة لا تُشترى ولا تُصنع بقرار؛ فالمؤسسات تستطيع أن ترعى الثقافة وتفتح لها الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تفرض على الجمهور الإعجاب. ولهذا يبقى المحتوى الأصيل أهم من حجم الميزانية.

وما ينطبق على الدول ينطبق على المؤسسات والجامعات والأفراد، فالسمعة تُصنع من الداخل أولاً، ثم تُروى للخارج.